الشيخ عبد الله البحراني
216
العوالم ، الإمام الجواد ( ع )
--> وهذا كالنصّ في أنّ اللّه بفتحه وإنزال آياته وفتوحاته للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله يغفر ذنوب نبيّه ، وما كان عليه من الصبر على الأذى والانتظار لوعد اللّه ، وإلّا فأيّ ربط بين الفتح والغفر في قوله « ليغفر » توضيح ذلك أنّ اللّه أسرى بعبده محمّد صلّى اللّه عليه وآله ليلا إلى السماء ، فدنا فتدلّى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه ما أوحى - وقد رأى من آيات ربّه الكبرى - وأرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ، بشيرا للمؤمنين ، ونذيرا للكافرين الّذين يعرفون نعمة اللّه ثمّ ينكرونها ، وجحدوا بآيات اللّه واستيقنتها أنفسهم ، وكانوا يقولون استهزاء : متى هذا الوعد ؟ فأت بآية إن كنت من الصادقين ، فهم يستعجلون . فقال اللّه لنبيّه ردّا عليهم : لا تستعجل لهم ، قل إنّما العلم عند اللّه ، قل لا أملك لنفسي ، لا يملك لكم ضرّا ولا نفعا ، ولكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون . وقال : فإنّما عليك البلاغ المبين . وقال : لا يحزنك قولهم ، لعلّك باخع نفسك ألّا يكونوا مؤمنين . وقال : فاصبر إنّ وعد اللّه حقّ ولا يستخفّنّك الّذين لا يوقنون . يتّضح لنا ممّا تقدّم عظم منزلة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عند اللّه ، ونفي احتمال عصيانه له جلّ وعلا بارتكاب ذنب ما ، وأنّه صلّى اللّه عليه وآله قد بلّغ رسالات ربّه كما أمره ، وصبر على أذى قومه منتظرا لوعد اللّه ، حتّى فتح اللّه عليه ، وقال : إنّا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر . فصار هذا الفتح سببا لمغفرة ما كان عليه صلّى اللّه عليه وآله في حال الصبر على الأذى وطول الانتظار ، فغفر له ، فاستراح . فإذا كان خاتم النبيّين أيّام حياته في صبر من أذى قومه حتّى قال صلّى اللّه عليه وآله : « ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت » فجاءته آيات ربّه تبشّره بفتح على أعدائه ، فكذلك كان أوصياؤه وخلفاؤه في صبر من أذى أمّة جدّهم - قتل من قتل وسبي من سبي - وما نقموا منهم إلّا لأنّهم نادوا بما بشّر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله باعتبارهم امتدادا له ، ولأنّهم عليهم السلام لهم في رسول اللّه أسوة حسنة فقد كانوا يقولون : ربّنا اغفر لنا ذنوبنا ، لا استغفارا من المعاصي - والعياذ باللّه - لأنّه تعالى قد أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وجعلهم خلفاءه في أرضه وحججه على عباده ، وامناءه على وحيه ، وإنّما يبتغون مرضاته وغفرانه وستره ، ألا إنّهم الذاكرون للّه ، الحافظون لحدود اللّه لا يبغون عنه حولا ؛ ألا إنّهم الصابرون في اللّه ، المنتظرون لوعد اللّه وفتحه ونصره ، المستغفرون لا من ذنب المعاصي لأنّهم منزّهون عنها ومن كلّ رجس وكلّ شيطان رجيم .